كيف غيرت المبادرات الرئاسية واقع الصحة في مصر؟

0
6
كيف غيرت المبادرات الرئاسية واقع الصحة في مصر؟

بقلم : أحمد السعداوي


11:05 صباحا

11/01/2026


نشر مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء عبر منصاته الرقمية سلسلة مقاطع فيديو تناولت جهود الدولة في التعامل مع ملف الصحة العامة للشعب المصري، ومستوى انتشار الخدمات الصحية من حيث الانتشار الجغرافي وتتبع مرضى الأمراض غير المعدية. منذ إطلاق أول مبادرة رئاسية لمواجهة انتشار فيروس التهاب الكبد الوبائي “سي”، أصبح هناك سبع مبادرات رئاسية في مصر تحت المظلة الرئاسية “100 مليون صحة”.

وأكدت الدكتورة منى خليفة مدير عام الإدارة العامة للمبادرات الصحية بوزارة الصحة، خلال اللقاءات التي عقدها المركز معها، أن المبادرات الرئاسية في القطاع الصحي جاءت كمحور مهم دفع القطاع للدخول في دائرة المبادرات العلاجية المجانية، وأهميتها في الكشف المبكر عن الأمراض. وعلى مدى السنوات السبع الماضية، انطلقت مبادرات للكشف عن التهاب الكبد الوبائي سي، وسرطان الثدي، وفقر الدم، والسمنة، والقزامة، وفحص السمع، وغيرها.

المبادرات الرئاسية غيرت معتقدات المواطن المصري وحالته الصحية، وحسنت نوعية حياة المريض، على الرغم من التحديات التي واجهوها في بداية إطلاق هذه المبادرات. وخاصة في المناطق الريفية والنائية، وخاصة الأمراض المتعلقة بصحة المرأة.

وأوضحت الدكتورة منى خليفة مدير عام الإدارة العامة للمبادرات الصحية، أن خدمات المبادرة الصحية يتم تقديمها داخل الوحدات الصحية المنتشرة بجميع محافظات الجمهورية السبع والعشرين، لتشمل المصريين وغير المصريين على حد سواء، في خطوة تعتبر تطورًا نوعيًا في منظومة الرعاية الصحية. يعد إتاحة خدمات الفحص المبكر والفحص الأولي لغير المصريين من أبرز التطورات التي لم تكن متاحة من قبل، حيث أصبحت هذه الخدمات متاحة للمواطن المصري باستخدام بطاقة الرقم القومي، وكذلك للاجئين والمهاجرين والأجانب المتواجدين على الأراضي المصرية، سواء للإقامة أو الزيارة أو حتى السياحة.

تتيح لك المبادرات الصحية الاستفادة من خدماتها من خلال الفرق الطبية المتنقلة المنتشرة في الشوارع والمناطق المختلفة، أو من خلال التوجه مباشرة إلى الوحدات الصحية، حيث يمكن لأي فرد الاستفسار عن خدمات المبادرات والحصول عليها بسهولة. ويسمح لغير المصريين الاستفادة من هذه الخدمات من خلال جواز السفر، أو من خلال الوثائق الثبوتية المتاحة لهم، مثل بطاقة اللجوء (البطاقة الصفراء)، أو أي بطاقة هوية تحتوي على رقم الهوية الموحد، أو رقم التحقق من الهوية المعتمد.

وتمثل هذه الخطوة تحولا مهما في مدى توفر الخدمات الصحية داخل مصر، حيث لم تكن هذه المجموعات من زوار الدولة أو المقيمين غير المصريين على علم بإمكانية حصولهم على الخدمات الصحية داخل الوحدات الصحية الحكومية. وتعتبر هذه السياسة من نقاط القوة التي تم العمل عليها ضمن المبادرات الصحية والتي تعكس توجه الدولة نحو توفير الرعاية الصحية الشاملة وتعزيز البعد الإنساني للخدمات المقدمة على الأراضي المصرية.

ويؤكد مدير عام الإدارة العامة للمبادرات الصحية، أنه لا يخفى على أحد حجم الجهد الذي تم بذله في إطار مبادرات “100 مليون صحة” على مدار السنوات الخمس الماضية، منذ بدء الإعداد للمبادرات الرئاسية عام 2019، والتي انطلقت بأكبر وأشهر هذه المبادرات على الإطلاق، وهي مبادرة القضاء على التهاب الكبد الوبائي سي، وقد حققت هذه المبادرة نجاحاً غير مسبوق. وانتقلت مصر من كونها واحدة من أعلى معدلات الإصابة بالمرض إلى الحديث عن مرحلة القضاء التام على المرض، لتصبح أول دولة في العالم تحصل على الميدالية الذهبية من منظمة الصحة العالمية.

وتقول الدكتورة منى إن هذا النجاح اللافت لم يكن مخططاً له أن يكون بداية لسلسلة واسعة من البرامج الصحية المتكاملة، لكن التجربة أثبتت أنه يمكن البناء على نموذج المبادرة الأولى وتوسيع نطاقه. وارتكزت فكرة مبادرة التهاب الكبد الوبائي سي بشكل أساسي على مفهوم “الدورة الكاملة” في تقديم الخدمات الصحية للمريض، وهو مفهوم يقوم على استمرارية الرعاية من البداية إلى النهاية. ولا يُنظر إلى الشخص الذي يتقدم للفحص المبكر على أنه مريض، بل على أنه شخص سليم يخضع لإجراءات الفحص الوقائي. وتم خلال هذه المرحلة اكتشاف عدد كبير من الحالات التي كانت تعاني من أمراض مزمنة دون علمها، حيث كان أصحابها يعيشون حياتهم بشكل طبيعي دون أن يدركوا أن المرض كان يأكل أجسادهم بصمت.

وبمجرد اكتشاف الحالة، ينتقل المستفيد إلى المرحلة التالية، وهي مرحلة العلاج، ثم تأتي مرحلة المتابعة الطبية المنتظمة، على أن يتم تقديم جميع هذه المراحل في إطار متكامل ومترابط، وبشكل مجاني تماما. وتم تقديم هذه الخدمات من خلال الوحدات الصحية المنتشرة في المحافظات السبع والعشرين، مما يضمن الوصول العادل إلى الرعاية الصحية في جميع أنحاء الجمهورية.

ومن أبرز التطورات التي أحدثتها هذه المبادرات إتاحة خدمات الفحص المبكر والكشف الأولي ليس فقط للمواطنين المصريين باستخدام بطاقة الرقم القومي، ولكن أيضًا لغير المصريين المقيمين على الأراضي المصرية. ويشمل ذلك اللاجئين والمهاجرين والأجانب، سواء كانوا مقيمين أو زائرين أو حتى في زيارة سياحية. ويمكنهم الاستفادة من خدمات المبادرات من خلال الفرق الطبية المتنقلة المنتشرة في الشوارع والمناطق المختلفة، أو من خلال التوجه مباشرة إلى الوحدات الصحية والاستفسار عن الخدمات المتوفرة.

يتم تقديم هذه الخدمات لغير المصريين من خلال جواز السفر، أو من خلال الأوراق الثبوتية المعتمدة، مثل بطاقة اللاجئين (البطاقة الصفراء)، أو البطاقات التي تتضمن رقم الهوية الموحد، أو رقم التحقق من الهوية. وتمثل هذه الخطوة تحولا مهما في سياسة تقديم الخدمات الصحية، حيث لم تكن هذه الفئات على دراية في السابق بإمكانية الحصول على الخدمات الصحية داخل الوحدات الصحية الحكومية المصرية.

ويمثل هذا التوجه أحد أبرز نقاط القوة في المبادرات الصحية الرئاسية التي لم تقتصر على علاج المرض فقط؛ بل أنشأت نموذجاً شاملاً للرعاية الصحية الوقائية والعلاجية، يعكس التزام الدولة بتوفير الخدمات الصحية الإنسانية المتاحة لكل من يعيش على أرض مصر.

ولم يقتصر تأثير المبادرات الرئاسية على تحسين الوضع الصحي للمواطن المصري، بل امتد إلى إحداث تحول عميق في منظومة الوعي والمعتقدات المجتمعية المتعلقة بالصحة العامة. وعند إطلاق عدد من هذه المبادرات، واجه القائمون عليها تحديات كبيرة تتعلق بمدى قبول المجتمع للفكرة في المقام الأول، خاصة في البيئات الأكثر محافظة. وكان السؤال المطروح حينها: هل يمكن لامرأة في أقصى الصعيد أن تتقبل فكرة إجراء فحص سرطان الثدي في وحدة طبية متنقلة في الشارع؟ هل تقبل المرأة الحامل إجراء فحوصات الكشف عن الأمراض المعدية التي قد تنتقل من الأم إلى الطفل ومنها فيروس نقص المناعة البشرية وفيروس التهاب الكبد الوبائي؟

مثلت هذه الأسئلة تحديات حقيقية في المراحل الأولى لتنفيذ بعض المبادرات، وشهدت البداية بعض الصعوبات والتردد المجتمعي. إلا أن هذه المعوقات بدأت تنحسر تدريجيا مع تكثيف جهود التوعية، وتكرار حملات الإرشاد الصحي، والحوار المباشر مع المواطنين من خلال الفرق الطبية المتنقلة المنتشرة في جميع أنحاء الجمهورية. وتنشط اليوم المبادرات الرئاسية دون استثناء في المحافظات السبع والعشرين، من خلال ما يقرب من 3600 وحدة صحية، تقدم من خلالها نحو ست أو سبع مبادرات صحية مختلفة، بما يضمن التغطية الشاملة لكافة المناطق الجغرافية.

ولم يقتصر نطاق العمل على الوحدات الصحية فقط، بل امتد ليشمل نشر الفرق الطبية المتنقلة في الأندية الاجتماعية وأماكن التجمعات والأسواق وغيرها من المواقع التي تشهد كثافات بشرية عالية وتحتاج إلى هذه الخدمات الصحية.

تغير هذا المشهد بشكل كبير مع استمرار العمل الميداني على مدى سبع سنوات. وبدأ المواطنون أنفسهم يطالبون بتكرار القوافل الصحية في مناطقهم، متسائلين عن مواعيد الحملات المقبلة، ومقارنة الخدمات التي حصلوا عليها سابقاً مع ما ينتظرونه في المراحل المقبلة. ويعكس هذا التحول ارتفاعاً واضحاً في مستوى الوعي الصحي لدى المواطنين، والذي يعتبر من أهم إنجازات برامج الصحة العامة بشكل عام. إن تغيير الوعي المجتمعي وتعزيز ثقافة الكشف المبكر والحفاظ على الصحة يمثل الأساس الأساسي لاستدامة أي نظام صحي ناجح.

كشفت الدكتورة منى خليفة مدير عام الإدارة العامة للمبادرات الصحية، فيما يتعلق بمبادرة الكشف المبكر عن سرطان الثدي، أن أكثر من 30 مليون سيدة شاركن في الفحص المبكر، مما ساهم في اكتشاف الحالات في مراحلها المبكرة وزيادة فرص العلاج والشفاء.

وأسفرت مبادرات فحص أطفال المدارس عن انخفاض كبير في معدلات الإصابة بفقر الدم والسمنة والتقزم، مما يعكس تحسنا حقيقيا في مؤشرات الصحة العامة في هذه الفئة العمرية.

وشهدت مبادرة فحص السمع للمواليد الجدد تطورا كبيرا، حيث تقدم خدماتها داخل الوحدات الصحية على مستوى الدولة، بعد أن كانت نسبة تنفيذ هذا الفحص لا تتجاوز 1%، وهو من أقل المعدلات على مستوى العالم. ومع التوسع في تنفيذ المبادرة ارتفعت نسبة الفحص إلى نحو 85%، مما يضع مصر ضمن مصاف الدول المتقدمة في مجال الفحص السمعي المبكر لحديثي الولادة.

إن الإنجازات التي تحققت في إطار المبادرات الصحية عديدة بحيث يصعب تعدادها، في ظل النتائج الإيجابية المتراكمة خلال السنوات الماضية. وفي هذا السياق، تتطلع الدولة إلى تحقيق نفس المستوى من النجاحات والإنجازات في المبادرات الأخرى قيد التنفيذ، أبرزها مبادرة الفحص والكشف المبكر وعلاج الأورام السرطانية، استكمالاً لمسار تطوير نظام الصحة العامة وتعزيز الوقاية والكشف المبكر كركيزة أساسية للرعاية الصحية.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا