كتب – أحمد العش:
08:37 مساءً
20/12/2025
قال الكاتب الصحفي والإعلامي إبراهيم عيسى، إن الإعلان عن صفقة استيراد الغاز بين مصر وإسرائيل، أثار موجة واسعة من الهجمات السياسية والإعلامية، شاركت فيها الحركات الإسلامية والإخوانية والسلفية، إلى جانب بعض الأصوات اليسارية والليبرالية، في هجوم مشترك على الحكومة المصرية. ولم ينطلق هذا الهجوم من قراءة اقتصادية أو فنية للصفقة، بقدر ما استند إلى خلفيات أيديولوجية وشعارية، متجاهلاً السياق السياسي والقانوني الذي حكم علاقة مصر بإسرائيل منذ توقيع معاهدة السلام.
وأوضح عيسى، خلال بث مباشر عبر قناته الرسمية على يوتيوب، أن توقيت هذا الهجوم تزامن مع خروج رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو للتصديق على نفس الصفقة أمام الرأي العام الإسرائيلي، وتقديمها على أنها إنجاز اقتصادي مهم لإسرائيل.
وفي الوقت نفسه، كان نتنياهو يتحدث عن ترتيبات واتفاقات إقليمية وصفها بأنها غير مسبوقة، ويقدمها على أنها نجاحات استراتيجية، في مفارقة تعكس التناقض بين الخطاب الإسرائيلي الداخلي والخطاب العربي المرفوض.
وأشار إلى أن المشهد الإقليمي يكشف عن ازدواجية صارخة، حيث أن نفس القوى التي تهاجم صفقة الغاز المصرية مع إسرائيل تلتزم الصمت التام إزاء العلاقات الاقتصادية الواسعة والقوية بين تركيا وإسرائيل، رغم المواقف السياسية المتشددة المعلنة للنظام التركي.
وأشار إلى أرقام موثقة عن حجم التبادل التجاري بين أنقرة وتل أبيب، الذي شهد نموا كبيرا على مر السنين، حتى في ذروة الأزمات السياسية بين البلدين، دون أن ينعكس ذلك على حملات أو هجمات مماثلة.
وشدد على أن السؤال الجوهري الذي يجب طرحه هو ما إذا كان الاعتراض موجها إلى فكرة السلام نفسها. ومصر، على حد تعبيره، دولة وقعت معاهدة سلام ملزمة منذ عام 1979، ولم تشهد حدودها الشرقية أي مواجهة عسكرية منذ ذلك التاريخ. إنه السلام الذي أيده ودعمه الشعب المصري، وأصبح واقعا سياسيا لا يمكن القفز عليه بشعارات أو مزايدات.
وأوضح عيسى أن صفقة الغاز يجب أن تفهم في إطار حاجة اقتصادية مباشرة، حيث تستهلك مصر نحو 7.5 مليار قدم مكعب من الغاز يوميا في أوقات الذروة، مع الاعتماد على ثلاثة مصادر للغاز تتفاوت تكلفتها. ويعتبر الغاز المحلي الأقل تكلفة، يليه الغاز المستورد عبر خطوط الأنابيب، بينما يعتبر الغاز المسال الأعلى تكلفة. واستيراد الغاز من إسرائيل عبر خطوط الأنابيب، وفق هذه المعادلة، يحقق وفورات سنوية تتراوح بين 2.5 و3 مليار دولار مقارنة باستيراد الغاز المسال.
وأكد أن هذه الوفرة لا تعني تحقيق طفرة اقتصادية أو تحويل مصر إلى مركز عالمي للطاقة، منتقدًا ما وصفها بالمبالغات الرسمية السابقة في الترويج لملف الغاز، خاصة فيما يتعلق بحقل “ظهر”، مؤكدًا أن هذه المبالغات رفعت توقعات المواطنين، ثم انتهت بإحباط واسع عندما لم يتم الوفاء بالوعود المعلنة.
وانتقد إبراهيم عيسى إدارة ملف الغاز في مصر، معتبرا أنه تم إدارته بشكل غامض، دون شفافية كافية أو محاسبة واضحة، وهو ما أدى إلى انتقال مصر من موقف تصدير الغاز إلى استيراده، رغم الحديث المتكرر عن الاكتفاء الذاتي. وأكد أن هذا الفشل الإداري هو جوهر الأزمة وليس الصفقة في حد ذاتها.
وأوضح الصحفي أن تعميق المصالح الاقتصادية بين الدول يعزز السلام ويقويه، ويعطي مصر قدرة أكبر على لعب دور الوسيط في القضية الفلسطينية، مؤكدا أن السلام المبني على المصالح لا يعني التخلي عن الشعب الفلسطيني، بل قد يكون أداة ضغط أكثر فعالية من الشعارات التي لم تمنع الحروب أو الدمار.
وميز عيسى بوضوح بين تطبيع الدولة وتطبيع الشعب. والدولة المصرية، بحكم كونها دولة ذات سيادة وفي حالة سلام، تدير اتفاقاتها الاقتصادية والسياسية بما يتوافق مع مصالحها. أما التطبيع الشعبي فسيظل مرفوضا عاطفيا وأخلاقيا لدى المصريين حتى يتحقق السلام العادل، أو قيام الدولة الفلسطينية الحقيقية، وهذا موقف ثابت لم يتغير.
واختتم الصحفي إبراهيم عيسى حديثه بالتأكيد على أن صفقة الغاز ليست انتصاراً يُحتفى به ولا خيانة تُدان، بل هي نتيجة ضرورة اقتصادية فرضتها إدارة فاشلة سابقة للملف.
ودعا إلى توجيه النقاش نحو السؤال الأهم: كيف تدار موارد الدولة؟ وكيف ينعكس ذلك على الحياة اليومية للمواطنين، من كهرباء وصناعة وعمالة، بدلاً من الانجرار إلى الصراخ السياسي الذي لا يقدم حلولاً ولا يحمي مصالح مصر؟
إقرأ أيضاً:
أطول ليل وأقصر نهار.. موعد الانقلاب الشتوي وبداية الشتاء الرسمية
“إعلام الوزراء” يكشف حقيقة فيديو طائرة تتجاوز طاقتها الاستيعابية من الركاب
